عثمان بن جني ( ابن جني )
388
الخصائص
فيما صحّت عينه . فإن أحللت الكسرة فيها نفسها فكان ذلك يكون - لو تكلّف - أثقل من باب يوعد ويوجد لو خرج على الصحّة . فاعرف ذلك فرقا لطيفا بين الموضعين . ومما يجيزه القياس - غير أن لم يرد به الاستعمال - خبر ( العمر ، والأيمن ) ، من قولهم : لعمرك لأقومنّ ، ولا يمن اللّه لأنطلقنّ . فهذان مبتدءان محذوفا الخبرين ، وأصلهما - لو خرج خبراهما - لعمرك ما أقسم به لأقومن ، ولا يمن اللّه ما أحلف به لأنطلقن ، فحذف الخبران ، وصار طول الكلام بجواب القسم عوضا من الخبر . ومن ذلك قولهم : لا أدرى أىّ الجراد عاره " 1 " ، أي ذهب به ، ولا يكادون ينطقون بمضارعه ، والقياس مقتض له ، وبعضهم يقول : يعوره ؛ وكأنهم إنما لم يكادوا يستعملون مضارع هذا الفعل لمّا كان مثلا جاريا في الأمر المتقضّى الفائت ، وإذا كان كذلك فلا وجه لذكر المضارع هنا ، لأنه ليس بمتقضّ . ومن ذلك امتناعهم من استعمال استحوذ معتلا وإن كان القياس داعيا إلى ذلك ومؤذنا به ، لكن عارض فيه إجماعهم على إخراجه مصحّحا ؛ ليكون دليلا على أصول ما غير من نحوه ؛ كاستقام واستعان . ومن ذلك امتناعهم من إظهار الحرف الذي تعرّف به ( أمس ) حتى اضطرّوا - لذلك - إلى بنائه لتضمّنه معناه ، فلو أظهروا ذلك الحرف فقالوا مضى الأمس بما فيه لما كان خلفا " 2 " ولا خطأ . فأمّا قوله : وإني وقفت اليوم والأمس قبله * ببابك حتى كادت الشمس تغرب " 3 "
--> ( 1 ) عاره يعوره ، أي أخذه وذهب به . وما أدرى أي الجراد عاره ، أي أىّ الناس أخذه ، لا يستعمل إلا في الجحد . اللسان ( عور ) . ( 2 ) هذا خلف ، بإسكان اللام ، يقال : للرديء ، والخلف الردىء من القول اللسان ( خلف ) . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لنصيب في ديوانه ص 9 ، والأغانى 9 / 45 ، ولسان العرب ( أين ) ، ( أمس ) ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 204 ، والإنصاف ص 320 ، والدرر 3 / 109 ، وشرح شذور الذهب ص 131 ، والصاحبى في فقه اللغة ص 143 ، ولسان العرب ( لوم ) ، والمحتسب 2 / 190 ، وهمع الهوامع 1 / 209 .